جان لوئيس بوركهارت

288

رحلات بوركهارت في بلاد النوبة والسودان

من كل صوب فيبعث مرآها النشوة حتى في أفئدة الجلابة القاسية . قال أحدهم مشيرا إلى المفازة الجرداء التي قطعناها « بعد الموت الجنة » . ومشينا نحو ربع الساعة بين أشجار فارعة اشتبكت أحمالنا بأغصانها فكنا نخلصها معها بصعوبة . ورأيت من التنوع الكثير في نبات هذا الإقليم ما لم أره في أي مكان على ضفاف النيل بمصر ، فكانت هناك صنوف مختلفة من المموزا ، ودوم ضخم أسالت عناقيده الفاخرة لعاب العبيد ، وأشجار من النبق ناضجة الثمار ، ثم اللالوب وهي في حجم النبق ، فضلا عن كثير من الأنواع التي لا عهد لي بها . وإلى هذا كله عشب برى موفور ينمو فوق تربة خصبة غنية كتربة مصر . وتأوى إلى الشجر أسراب كثيرة من الطير تصدح بالغناء الذي يندر أن يسمعه المسافرون في مصر . ولم تكن الطيور غنية بالألوان بل طيورا صغيرة من فصائل مختلفة ، وقد راقتنى منها أنغام لم تطرق أذني من قبل ، ولم ينقطع من أذني هديل الحمائم الرقيق طوال سيرى . وانطلقنا صوب النهر وهبطنا ضفافه الواطئة في لهفة لنروى من مائه غليلنا ، وقطعت بعض الجمال مقاودها حالما وقع بصرها على الماء وألقت أحمالها عنها وهي تندفع أو تتعثر فوق الشاطئ فأحدثت كثيرا من الجلبة والفوضى . لم يطل مكثنا بالمكان ، فاستأنفنا المسير نحو ساعة على ضفة النهر ، وكان أكثر سيرنا بين نخل يحف أطراف الصحراء ، وهو أكبر من أي نخل رأيته بمصر . وبعد ساعة عبرنا النهر خوضا في غير مشقة إذ لم يكد ماؤه يجاوز ركب الجمال ، ولم يمض نصف ساعة حتى جئنا قرية عطبرة ، ويسمونها كذلك لقربها من النهر . وكان مقررا أن تظل القافلة أياما هنا ، لذلك اهتم كل منا قبل كل شئ باختيار مكان ملائم ينزل به . أما التجار السواكنية فنزلوا ساحة مكشوفة أمام القرية وقسموا أنفسهم فرقا وجماعات ، وأما أنا والتكارنة فحططنا بأرض من الأشجار الشائكة في جنب من القرية ، ومهد كل منا لنفسه ببلطته مهادا صغيرا يتسع له ولعفشه ، وأما العبيد فأمروا بالنوم أمام مدخل هذه الأرض ، وبهذه الطريقة أمنّا على متاعنا من اللصوص ، ونشرنا فوق الأشجار حصرا فكان لنا منها ظل طيب .